إدارة المخاطر كجزء أساسي من إدارة الأزمات - الأكاديمية البريطانية للتدريب و التطوير

التصنيفات

صفحة الفيسبوك

صفحة التويتر

إدارة المخاطر كجزء أساسي من إدارة الأزمات

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، وتزايد حالة عدم الاستقرار على المستويات الاقتصادية والسياسية والصحية والتقنية، أصبحت الأزمات سمة ملازمة لبيئة العمل المؤسسي، ولم تعد أحداثاً استثنائية يمكن التعامل معها بردود فعل مؤقتة. فالمؤسسات اليوم تعمل في بيئات معقدة تتشابك فيها المخاطر وتتداخل آثارها، ما يجعل القدرة على التنبؤ والاستعداد أحد أهم عوامل البقاء والاستدامة.

لقد أظهرت التجارب أن كثيراً من الأزمات لم تكن مفاجئة بالكامل، بل كانت نتيجة تراكم مخاطر تم تجاهلها أو التقليل من شأنها أو التعامل معها بأساليب تقليدية غير كافية. ومن هنا، برزت إدارة المخاطر كعنصر استراتيجي لا ينفصل عن إدارة الأزمات، حيث تمثل خط الدفاع الأول الذي يسبق وقوع الأزمة، ويحد من آثارها عند حدوثها. فإدارة المخاطر ليست مجرد إجراءات تقنية أو وثائق تنظيمية، بل هي منظومة فكرية وثقافة مؤسسية تقوم على الوعي، والتحليل، والتخطيط المسبق.

وتؤكد الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير في رؤيتها التدريبية أن الدمج الفعّال بين إدارة المخاطر وإدارة الأزمات يمكّن المؤسسات من الانتقال من منطق ردّ الفعل إلى منطق الاستباق، ومن التعامل مع الأحداث الطارئة بعشوائية إلى إدارتها بوعي ومنهجية. كما يشكّل هذا الدمج أساساً لاتخاذ قرارات متوازنة في ظروف يسودها الضغط والغموض، مع الحفاظ على العنصر الإنساني بوصفه محور العملية الإدارية وغايتها الأساسية.

وفي هذا السياق، تأتي إدارة المخاطر كجزء لا يتجزأ من إدارة الأزمات، بوصفها أداة وقائية إستراتيجية تسهم في حماية الموارد البشرية، وضمان استمرارية العمل، وتعزيز ثقة أصحاب المصلحة، وبناء مؤسسات أكثر جاهزية وقدرة على الصمود أمام الأزمات المتكررة والمتغيرة.

مفهوم إدارة المخاطر

تشير إدارة المخاطر إلى عملية منهجية تهدف إلى التعرف على المخاطر المحتملة التي قد تؤثر في تحقيق أهداف المؤسسة، وتحليل طبيعتها، وتقييم آثارها، ثم الاستعداد للتعامل معها قبل أن تتحول إلى أزمات فعلية. وتشمل هذه العملية مخاطر داخلية تتعلق بالهيكل التنظيمي والموارد البشرية والأنظمة، وأخرى خارجية ترتبط بالبيئة الاقتصادية والتشريعية والسياسية والتقنية.

ولا تهدف إدارة المخاطر إلى إلغاء المخاطر بشكل كامل، فذلك أمر غير ممكن، بل تسعى إلى تقليل احتمالات حدوثها، والحد من آثارها السلبية، ورفع مستوى الجاهزية المؤسسية للتعامل معها بكفاءة ومرونة.

إدارة المخاطر وإدارة الأزمات وعلاقتهم التكاملية

تقوم العلاقة بين إدارة المخاطر وإدارة الأزمات على مبدأ التكامل والتتابع المنطقي. فإدارة المخاطر تمثل المرحلة الاستباقية التي تسبق الأزمة، بينما تمثل إدارة الأزمات مرحلة التعامل مع الحدث عند وقوعه. وكلما كانت إدارة المخاطر أكثر نضجاً وفاعلية، زادت قدرة المؤسسة على احتواء الأزمات وتقليل حدّتها.

إن المؤسسات التي تهمل إدارة المخاطر غالباً ما تواجه أزمات مفاجئة تتسم بالارتباك وضعف القرار، في حين أن المؤسسات التي تدمج إدارة المخاطر ضمن استراتيجياتها تكون أكثر قدرة على الاستجابة السريعة، واتخاذ قرارات مدروسة، والحفاظ على استمرارية العمل.

أهمية إدارة المخاطر في سياق الأزمات

تلعب إدارة المخاطر دوراً محورياً في تقليل الآثار السلبية للأزمات على المستويات البشرية والتنظيمية والمالية. فوجود رؤية واضحة للمخاطر المحتملة يحدّ من عنصر المفاجأة، ويمنح القيادات الوقت والمساحة للتصرف بهدوء وفعالية عند وقوع الأزمة.

وتسهم إدارة المخاطر في دعم متخذي القرار بمعلومات دقيقة، وتساعد على حماية سلامة العاملين، والحفاظ على العمليات الحيوية، وتقليل الخسائر المادية والمعنوية، بما يعزز ثقة أصحاب المصلحة بالمؤسسة.

فقرة بنظام النقاط 

وتبرز أهمية إدارة المخاطر كجزء من إدارة الأزمات من خلال قدرتها على تحقيق عدة أدوار محورية، من أبرزها:

  • تعزيز الجاهزية المؤسسية وتقليل الارتباك عند وقوع الأزمة.

  • دعم القيادات في اتخاذ قرارات سريعة مبنية على تحليل مسبق.

  • حماية الموارد البشرية باعتبارها العنصر الأكثر تأثراً بالمخاطر.

  • تقليل الخسائر المالية والسمعية الناتجة عن سوء الاستجابة.

  • تسريع عملية التعافي والعودة إلى الاستقرار.

تحديد المخاطر كمدخل أساسي لإدارة الأزمات

تبدأ إدارة المخاطر بتحديد المخاطر المحتملة التي قد تواجه المؤسسة، وهي مرحلة تتطلب فهماً عميقاً لطبيعة العمل والبيئة المحيطة به. ويُعد إشراك مختلف المستويات الوظيفية في هذه المرحلة عاملاً مهماً، إذ يتيح رصد المخاطر من زوايا متعددة، ويعزز الوعي الجماعي بالمخاطر المحتملة.

وكلما كانت عملية التحديد دقيقة ومبكرة، زادت قدرة المؤسسة على بناء سيناريوهات استجابة واقعية تقلل من حدة الأزمة عند وقوعها.

تحليل وتقييم المخاطر

بعد تحديد المخاطر، تأتي مرحلة تحليلها وتقييمها من حيث احتمالية حدوثها وحجم تأثيرها. وتساعد هذه المرحلة في ترتيب الأولويات، وتوجيه الموارد نحو المخاطر الأكثر تهديداً لاستقرار المؤسسة وأهدافها.

وتشدد الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير على أن التقييم الموضوعي للمخاطر يمكّن القيادات من اتخاذ قرارات متوازنة، ويقلل من القرارات الانفعالية التي قد تزيد من تعقيد الأزمة.

البعد الإنساني في إدارة المخاطر أثناء الأزمات

لا تقتصر إدارة المخاطر على الجوانب الفنية والإجرائية، بل تمتد لتشمل البعد الإنساني بوصفه عنصراً أساسياً في نجاح إدارة الأزمات. فالعاملون هم أول من يتأثر بالمخاطر، وهم في الوقت ذاته الركيزة الأساسية في تنفيذ خطط الاستجابة.

ويظهر الاهتمام بالبعد الإنساني من خلال التواصل الشفاف، ودعم السلامة النفسية والجسدية للعاملين، وإشراكهم في خطط الاستعداد، مما يعزز الثقة والانتماء ويزيد من فعالية الاستجابة المؤسسية.

دور القيادة في دمج إدارة المخاطر بإدارة الأزمات

تلعب القيادة دوراً محورياً في تحويل إدارة المخاطر من إطار نظري إلى ممارسة فعلية. فالقائد الواعي هو من يرسّخ ثقافة الإبلاغ المبكر عن المخاطر، ويدعم التفكير الاستباقي، ويشجع على التعلم من الأخطاء دون خوف أو لوم.

كما تسهم القيادة الفعالة في ضمان التنسيق بين فرق إدارة المخاطر وإدارة الأزمات، بما يحقق استجابة متكاملة تقلل من الآثار السلبية وتعزز الاستقرار المؤسسي.