أخطاء شائعة في تطبيق إدارة الجودة الشاملة وكيفية تجاوزه - الأكاديمية البريطانية للتدريب و التطوير

التصنيفات

صفحة الفيسبوك

صفحة التويتر

أخطاء شائعة في تطبيق إدارة الجودة الشاملة وكيفية تجاوزه

أصبحت إدارة الجودة الشاملة اليوم من أكثر المفاهيم الإدارية حضورًا في الخطط الاستراتيجية للمؤسسات، سواء في القطاع العام أو الخاص. فهي تُقدَّم باعتبارها الطريق الأقصر نحو تحسين الأداء، ورفع رضا المستفيدين، وتعزيز القدرة التنافسية. غير أن الواقع يكشف أن كثيرًا من مبادرات الجودة لا تحقق النتائج المتوقعة، بل تتحول أحيانًا إلى عبء إداري يستهلك الوقت والموارد دون أثر ملموس.

وتؤكد الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير أن إدارة الجودة الشاملة ليست مجموعة إجراءات تُطبق، ولا شهادات تُعلّق على الجدران، بل فلسفة متكاملة تقوم على القيادة الواعية، والتحسين المستمر، ومشاركة الجميع في صناعة الجودة. ومن هذا المنطلق، فإن فشل تطبيق الجودة غالبًا ما يعود إلى أخطاء متكررة في الفهم والتنفيذ، لا إلى ضعف المنهج ذاته.

اختزال الجودة في الحصول على شهادة

من أكثر الأخطاء شيوعًا النظر إلى إدارة الجودة الشاملة كوسيلة للحصول على اعتماد رسمي مثل ISO أو غيره. في هذه الحالة، ينصب الجهد على إعداد السياسات والإجراءات وتجهيز الملفات، بينما يغيب التركيز على تحسين العمليات الفعلية.

تتحول الجودة هنا إلى نشاط شكلي، هدفه اجتياز التدقيق الخارجي، لا تطوير الأداء الداخلي. وبعد الحصول على الشهادة، تخفت الحماسة وتتراجع الممارسات، وكأن المهمة قد أُنجزت. هذا الفهم القاصر يحرم المؤسسة من جوهر الجودة، الذي يقوم على المراجعة المستمرة والتعلم من الأخطاء وبناء ثقافة تحسين دائم.

غياب الالتزام الحقيقي من القيادة العليا

تطبيق إدارة الجودة الشاملة يبدأ من القمة. وعندما لا تكون القيادة مقتنعة بالجودة أو لا تمارسها فعليًا في قراراتها اليومية، يصبح من الصعب إقناع الموظفين بأهميتها.

في كثير من المؤسسات، تُطلق مبادرات الجودة بقرارات رسمية، لكن دون متابعة جادة من الإدارة العليا، أو دون ربط واضح بين الجودة وتقييم الأداء القيادي. يلاحظ الموظفون هذا التناقض بسرعة، فتتحول الجودة إلى شعار جميل بلا مضمون. القيادة الفاعلة هي التي تخصص الموارد، وتتابع المؤشرات، وتشارك في مراجعة النتائج، وتضرب المثال في الالتزام بالمعايير.

التعامل مع الجودة كمشروع مؤقت

خطأ آخر يتمثل في اعتبار إدارة الجودة الشاملة برنامجًا له بداية ونهاية. تُشكَّل فرق العمل، وتُنفذ ورش تدريبية، وتُعد التقارير، ثم تنتقل المؤسسة إلى أولويات أخرى.

هذا النهج يتجاهل أن الجودة رحلة طويلة الأمد، وليست محطة عابرة. التحسين الحقيقي يحتاج إلى وقت، وإلى تراكم الخبرات، وإلى مراجعات دورية للعمليات. المؤسسات التي تنجح في الجودة هي تلك التي تدمجها في عملها اليومي، وتجعلها جزءًا من هويتها المؤسسية، لا مبادرة موسمية.

إهمال العامل البشري في منظومة الجودة

رغم التطور الكبير في الأنظمة الرقمية وأدوات القياس، تبقى الجودة في جوهرها مسؤولية الإنسان. ومع ذلك، تقع بعض المؤسسات في فخ التركيز على الإجراءات والتقنيات، مع إهمال تدريب الموظفين وبناء وعيهم.

عندما لا يفهم العاملون فلسفة الجودة، ولا يرون أثرها على عملهم، فإنهم يلتزمون بها شكليًا فقط. أما المؤسسات التي تستثمر في تطوير مهارات موظفيها، وتشجعهم على اقتراح التحسينات، وتقدّر مساهماتهم، فهي التي تبني جودة مستدامة قائمة على المشاركة والانتماء.

ضعف ربط الجودة بالأهداف الاستراتيجية

من الأخطاء المتكررة إدارة الجودة بمعزل عن التخطيط الاستراتيجي. يتم إنشاء إدارة للجودة، وتُعطى مهام تشغيلية، دون ربط واضح بين مؤشرات الجودة وأهداف النمو أو الكفاءة أو رضا المستفيد.

هذا الفصل يجعل الجودة تبدو وكأنها نشاط إداري مستقل، بدل أن تكون أداة لتحقيق الرؤية المؤسسية. الربط الاستراتيجي يعني أن تكون الجودة جزءًا من مؤشرات الأداء الرئيسية، وأن تُستخدم نتائجها في توجيه القرارات الكبرى، لا أن تبقى محصورة في تقارير داخلية.

التركيز على اكتشاف الأخطاء بدل منعها

في بعض البيئات، تُمارس الجودة بأسلوب رقابي صارم يركز على التفتيش ورصد المخالفات بعد وقوعها. ورغم أهمية الرقابة، فإن إدارة الجودة الشاملة تهدف أساسًا إلى تصميم العمليات بطريقة تقلل احتمالية الخطأ من البداية.

الانتقال من ثقافة التفتيش إلى ثقافة الوقاية يتطلب تغييرًا عميقًا في التفكير، بحيث يصبح تحسين العملية أولوية، لا البحث عن المخطئ. عندما يشعر الموظفون أن الهدف هو التطوير لا العقاب، يزداد تعاونهم وتتحسن النتائج.

ضعف الاعتماد على البيانات في اتخاذ القرار

لا تزال بعض المؤسسات تعتمد على الانطباعات أو الخبرة الشخصية في تقييم جودة الأداء، متجاهلة ما توفره البيانات من رؤى دقيقة. غياب مؤشرات واضحة، أو ضعف تحليل الاتجاهات، يجعل قرارات التحسين أقرب إلى التخمين.

في المقابل، تعتمد المؤسسات الناضجة في الجودة على بيانات حقيقية، ولوحات مؤشرات، وتحليل أسباب الجذور، لتحديد أولويات التطوير وقياس أثر الإجراءات التصحيحية. البيانات هنا تتحول من أرقام جامدة إلى أداة قيادية توجه مسار المؤسسة.

مقاومة التغيير التنظيمي

إدارة الجودة الشاملة تعني تغيير طرق العمل والسلوكيات، وهو ما يواجه غالبًا مقاومة طبيعية من بعض الأفراد. تجاهل هذه المقاومة أو التقليل من شأنها يؤدي إلى تطبيق سطحي للجودة.

التواصل الواضح، وإشراك الموظفين في تصميم الحلول، وشرح فوائد الجودة على مستوى الفرد والمؤسسة، كلها عوامل أساسية لتجاوز هذا التحدي. فالجودة لا تُفرض من الأعلى، بل تُبنى بالتفاهم والمشاركة.

غياب قياس الأثر الحقيقي للجودة

تكتفي بعض المؤسسات بقياس عدد الاجتماعات أو النماذج أو إجراءات التدقيق، دون تقييم الأثر الفعلي للجودة على رضا المستفيدين أو سرعة الخدمة أو كفاءة التكاليف.

الجودة الحقيقية تُقاس بالتغيير الإيجابي في النتائج، لا بعدد الوثائق. لذلك، من الضروري تطوير مؤشرات تعكس القيمة المضافة لإدارة الجودة الشاملة، ومراجعتها بشكل دوري لضمان أن الجهود المبذولة تحقق أثرًا ملموسًا.

نحو تطبيق ناضج لإدارة الجودة الشاملة

تجنب هذه الأخطاء يتطلب رؤية واضحة، والتزامًا قياديًا صادقًا، واستثمارًا مستمرًا في العنصر البشري، وربطًا مباشرًا بين الجودة والاستراتيجية المؤسسية. كما يتطلب الانتقال من التفكير الإجرائي الضيق إلى التفكير المنظومي الذي يرى المؤسسة كوحدة متكاملة.

وتشير الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير إلى أن المؤسسات التي تنجح في تطبيق إدارة الجودة الشاملة هي تلك التي تنظر إليها كرحلة تعلم مستمرة، لا كمتطلب إداري. فهي تبني ثقافة تنظيمية داعمة، وتستخدم البيانات بذكاء، وتمكّن موظفيها، وتضع المستفيد في قلب كل عملية تطوير.