في اللحظات التي تهتز فيها الأرض تحت أقدام المؤسسات، وتتعطّل الخطط، وتتداخل المشاعر بين الخوف والارتباك، تظهر القيادة الحقيقية. فالأزمات والكوارث لا تختبر قوة الأنظمة بقدر ما تكشف معدن القادة. قد تمتلك المؤسسة أفضل الموارد، وأحدث التقنيات، وأكثر الخطط تفصيلًا، لكن من دون قيادة واعية قادرة على اتخاذ القرار تحت الضغط، تصبح كل هذه الإمكانات بلا قيمة حقيقية.
تشير دراسات صادرة عن الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير إلى أن القيادة في أوقات الأزمات تختلف جذريًا عن القيادة في الظروف الطبيعية. فالقائد هنا لا يُطلب منه فقط إدارة العمليات، بل يُنتظر منه أن يكون مصدر طمأنينة، وبوصلة توجيه، ونقطة ارتكاز نفسي ومعنوي للفريق بأكمله. وفي عالم تتزايد فيه الكوارث الطبيعية، والأزمات الاقتصادية، والاضطرابات الصحية والتقنية، أصبح امتلاك مهارات القيادة أثناء الأزمات ضرورة استراتيجية لا ترفًا إداريًا
. لقد كشفت الأزمات العالمية الأخيرة، سواء كانت صحية أو اقتصادية أو بيئية، أن القيادة التقليدية لم تعد كافية. فالمؤسسات اليوم تحتاج إلى قادة يمتلكون الوعي العاطفي إلى جانب المهارات الإدارية، ويجمعون بين الحزم والتعاطف، وبين سرعة القرار وعمق التفكير. قيادة تستطيع التواصل بصدق، وتتحمّل المسؤولية بشجاعة، وتضع الإنسان في قلب كل استراتيجية.
ومن هذا المنطلق، يكتسب موضوع القيادة أثناء الأزمات والكوارث أهمية متزايدة لدى المديرين التنفيذيين، ورواد الأعمال، والباحثين في الإدارة، وكل من يسعى لبناء مؤسسة قادرة على الصمود في وجه التقلبات. ففهم طبيعة الأزمات، وتطوير مهارات القيادة في الظروف الاستثنائية، لم يعد خيارًا إضافيًا، بل أصبح ضرورة استراتيجية لضمان الاستمرارية، وحماية السمعة المؤسسية، وتعزيز الثقة داخل فرق العمل وخارجها.
أولًا: فهم طبيعة الأزمات والكوارث
الأزمة ليست مجرد حدث مفاجئ، بل هي موقف يهدد استقرار المؤسسة ويضعها أمام قرارات مصيرية خلال وقت محدود. وقد تكون الأزمة مالية، أو تشغيلية، أو صحية، أو إعلامية، أو نتيجة كارثة طبيعية.
ما يميز الأزمات هو عنصر المفاجأة، وضيق الوقت، وارتفاع مستوى الغموض. وفي مثل هذه الظروف، تتراجع قدرة الأفراد على التفكير الهادئ، ويزداد الاعتماد على القيادة لتحديد الاتجاه ومنع الفوضى.
القائد الناجح هو من يدرك أن أول خطوة في إدارة الأزمة هي فهمها بدقة، وعدم الاستهانة بتداعياتها، والتمييز بين الحقائق والإشاعات.
ثانيًا: دور القائد في اللحظات الأولى للأزمة
الدقائق والساعات الأولى بعد وقوع الأزمة تُعد حاسمة. ففيها تتشكل الانطباعات الأولى، وتتحدد درجة السيطرة على الموقف.
على القائد في هذه المرحلة أن:
يظهر حضورًا واضحًا بدل الاختفاء خلف المكاتب.
يجمع المعلومات بسرعة دون التسرع في إصدار الأحكام.
يطمئن الفريق بأن هناك من يقود المشهد.
يضع أولويات واضحة بدل تشتيت الجهود.
غالبًا ما يتذكر الموظفون كيف تصرف قائدهم في اللحظات الأولى أكثر مما يتذكرون تفاصيل الأزمة نفسها.
ثالثًا: التواصل الفعّال كركيزة أساسية للقيادة وقت الكوارث
في الأزمات، يصبح التواصل أهم من أي وقت مضى. فالصمت يولّد القلق، والغموض يفتح الباب للشائعات.
القائد الناجح يتواصل بصدق وشفافية، حتى عندما لا يملك كل الإجابات. مشاركة المعلومات المتاحة، والاعتراف بعدم اليقين، وتوضيح الخطوات القادمة، كلها عناصر تبني الثقة وتخفف التوتر.
كما أن الاستماع لا يقل أهمية عن الحديث. ففتح قنوات التواصل مع الموظفين يساعد على اكتشاف المشكلات الميدانية، ويمنح القائد رؤية أوسع لما يحدث على أرض الواقع.
رابعًا: اتخاذ القرار تحت الضغط
واحدة من أصعب مهام القيادة أثناء الأزمات هي اتخاذ القرارات في ظل نقص المعلومات وكثرة الضغوط. ففي الظروف الطبيعية، يمكن تأجيل القرار أو دراسته بتأنٍ، أما في الأزمات فالتردد قد يكون أخطر من الخطأ.
القائد الفعّال يعتمد على مبادئ واضحة، ويستشير فريقه الأساسي بسرعة، ثم يتحمل مسؤولية القرار بشجاعة. وهو يدرك أن القرارات قد لا تكون مثالية، لكنها يجب أن تكون في الوقت المناسب.
كما أن مراجعة القرارات وتعديلها عند ظهور معطيات جديدة تُعد علامة قوة لا ضعف.
خامسًا: البعد الإنساني للقيادة في الأوقات الصعبة
الأزمات لا تؤثر على العمليات فقط، بل تضرب الجانب النفسي للأفراد. الخوف على الوظيفة، القلق على الصحة، الضغط العائلي، كلها عوامل تتضاعف أثناء الكوارث.
القائد الحقيقي يرى موظفيه كبشر قبل أن يراهم كموارد. كلمة دعم، أو مرونة في ساعات العمل، أو تفهّم للظروف الشخصية، يمكن أن تحدث فرقًا كبيرًا في معنويات الفريق.
سادسًا: بناء فرق مرنة وقادرة على الصمود
لا يستطيع أي قائد مواجهة الأزمات وحده. لذلك، فإن بناء فرق قوية قبل وقوع الكارثة هو استثمار طويل الأمد.
الفرق المرنة هي التي تمتلك مهارات متعددة، وثقة متبادلة، واستعدادًا لتحمّل المسؤولية. وعندما تقع الأزمة، تتحول هذه الفرق إلى شبكة دعم متكاملة تساعد القائد على توزيع الأدوار وتسريع الاستجابة.
التدريب المستمر، وتمارين المحاكاة، وتبادل الخبرات، كلها أدوات ترفع جاهزية الفرق لمواجهة الظروف غير المتوقعة.
سابعًا: القيادة الأخلاقية أثناء الأزمات
تُظهر الأزمات الوجه الحقيقي للقيم المؤسسية. ففي ظل الضغوط، قد تميل بعض القيادات إلى اختصار الطرق أو تجاهل المبادئ.
لكن القيادة الأخلاقية تظل ثابتة حتى في أصعب الظروف. فهي تضع سلامة الأفراد فوق الأرباح، وتلتزم بالشفافية، وتتحمل المسؤولية بدل البحث عن كبش فداء.
هذا النوع من القيادة لا يحمي المؤسسة قانونيًا فقط، بل يحافظ على سمعتها وثقة المجتمع بها.
ثامنًا: التعلم من الأزمة وتحويلها إلى فرصة
بعد انقضاء الأزمة، تبدأ مرحلة لا تقل أهمية عن المواجهة نفسها، وهي مرحلة التعلّم. فكل أزمة تحمل دروسًا ثمينة إذا أُحسن استخلاصها.
القائد الواعي يجمع فريقه لتحليل ما حدث، وتحديد نقاط القوة والضعف، وتحديث الخطط بناءً على التجربة. وبهذا تتحول الأزمة من مجرد تحدٍّ مؤلم إلى فرصة لتطوير الأنظمة وبناء مؤسسة أكثر نضجًا.
تاسعًا: القيادة في عصر الأزمات المتكررة
لم تعد الأزمات أحداثًا نادرة، بل أصبحت سمة من سمات العصر الحديث. لذلك، لم يعد المطلوب قائد يتعامل مع أزمة واحدة، بل قائد قادر على العمل في بيئة مضطربة باستمرار.
هذا يتطلب مرونة فكرية، واستعدادًا للتغيير، وقدرة على إدارة الضغوط طويلة المدى، إضافة إلى الاهتمام بصحة القائد النفسية والجسدية، لأن الإرهاق المستمر يضعف جودة القرار.