في بيئة عالمية تتسم بعدم الاستقرار وتسارع التغيرات، لم تعد الأزمات أحداثاً استثنائية عابرة، بل تحوّلت إلى عنصر دائم يفرض نفسه على عمل المؤسسات، سواء كانت أزمات صحية، أو اقتصادية، أو تقنية، أو أزمات تتعلق بالسمعة والثقة. وفي ظل هذا الواقع المعقّد، يبرز التواصل المؤسسي بوصفه أحد أكثر الأدوات حساسية وتأثيراً في قدرة المؤسسات على احتواء الأزمات والحد من آثارها السلبية.
لقد أثبتت التجارب العملية أن قوة المؤسسة لا تُقاس فقط بمواردها المالية أو جاهزيتها التشغيلية، بل بقدرتها على إدارة التواصل في اللحظات الحرجة، حين يسود الغموض وتتصاعد المخاوف وتكثر التأويلات. ومن هذا المنطلق، تؤكد الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير أن التواصل المؤسسي أثناء الأزمات يُعد ركناً استراتيجياً من أركان إدارة الأزمات الحديثة، لما له من دور مباشر في تعزيز الثقة، وتوجيه السلوك التنظيمي، والحفاظ على التماسك المؤسسي.
كما تشير الأكاديمية إلى أن غياب استراتيجية تواصل واضحة أثناء الأزمات قد يؤدي إلى تضخيم آثار الأزمة نفسها، حتى وإن كانت في أصلها محدودة، وذلك نتيجة انتشار الشائعات، وضعف الثقة بالقيادة، وتراجع الصورة الذهنية للمؤسسة أمام جمهورها الداخلي والخارجي. ولهذا، لم يعد التواصل أثناء الأزمات نشاطاً إعلامياً ثانوياً، بل وظيفة قيادية تتطلب تخطيطاً مسبقاً، وكفاءات متخصصة، ووعياً عميقاً بطبيعة الجمهور والسياق.
مفهوم التواصل المؤسسي أثناء الأزمات
يشير التواصل المؤسسي أثناء الأزمات إلى العملية المنظمة التي تعتمدها المؤسسة لإدارة تدفق المعلومات والرسائل في فترات الاضطراب وعدم اليقين، بهدف توضيح الموقف، واحتواء القلق، وتوجيه السلوك الفردي والجماعي بما يضمن استمرارية العمل ويحد من التداعيات السلبية. ولا يقتصر هذا النوع من التواصل على البيانات الرسمية أو التصريحات الإعلامية، بل يشمل نبرة الخطاب، وتوقيت الرسائل، وآليات التفاعل مع ردود الفعل، سواء داخل المؤسسة أو خارجها.
ويتميّز التواصل في الأزمات بكونه أكثر حساسية من التواصل في الظروف الطبيعية، حيث تكون الأخطاء الاتصالية أكثر كلفة، ويكون الجمهور أقل تسامحاً مع الغموض أو التناقض. لذلك، يتطلب هذا النوع من التواصل قدرة عالية على الموازنة بين السرعة والدقة، وبين الشفافية والمسؤولية.
أهمية التواصل المؤسسي في إدارة الأزمات
يلعب التواصل المؤسسي دوراً محورياً في تقليل حالة الارتباك التي تصاحب الأزمات، إذ يسهم في تقليص فجوة المعلومات، ويمنح العاملين وأصحاب المصلحة شعوراً بالاطمئنان والسيطرة النسبية على الموقف. فكلما كانت الرسائل واضحة ومتسقة، قلّت فرص انتشار الشائعات وتضخيم المخاطر، وازدادت قدرة المؤسسة على توجيه السلوك الجماعي نحو الالتزام والانضباط.
كما يسهم التواصل الفعّال في حماية السمعة المؤسسية، التي تُعد من أكثر الأصول عرضة للاهتزاز أثناء الأزمات. وتشدد الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير على أن الثقة لا تُبنى في أوقات الرخاء فقط، بل يتم اختبارها في أوقات الشدة، وأن التواصل الصادق والمستمر هو الأداة الأهم للحفاظ على هذه الثقة وتعزيزها.
التواصل الداخلي ودوره في تماسك المؤسسة
يُعد التواصل الداخلي أثناء الأزمات حجر الأساس في الحفاظ على استقرار المؤسسة من الداخل. فالموظفون هم أول من يتأثر بالأزمة، وهم في الوقت ذاته العنصر الأهم في تنفيذ الاستجابات والقرارات. وعندما يشعر العاملون بغياب المعلومات أو بتهميشهم في عملية التواصل، تتزايد مشاعر القلق وعدم الثقة، ما ينعكس سلباً على الأداء والانتماء المؤسسي.
التواصل الداخلي الفعّال يساعد على توضيح الأدوار والتوقعات، ويعزز الشعور بالمشاركة والمسؤولية المشتركة، كما يتيح للقيادة الاستماع لمخاوف العاملين والتفاعل معها. وهذا التفاعل الإنساني يسهم في رفع الروح المعنوية وتحويل الموظفين من متلقين سلبيين للأزمة إلى شركاء فاعلين في إدارتها.
التواصل الخارجي وإدارة الصورة الذهنية
في أوقات الأزمات، تتجه أنظار المجتمع ووسائل الإعلام إلى المؤسسة بحثاً عن تفسير وطمأنة. ويُعد التواصل الخارجي أداة رئيسية في تشكيل الصورة الذهنية وإدارة الانطباعات العامة. فالصمت أو تضارب الرسائل قد يُفسَّر على أنه ضعف أو محاولة لإخفاء الحقيقة، بينما يسهم التواصل الواضح والمنظم في تعزيز المصداقية وتقليل حدة الانتقادات.
ويتطلب التواصل الخارجي أثناء الأزمات تنسيقاً دقيقاً بين الإدارات المختلفة، وتوحيداً للخطاب الرسمي، واختياراً واعياً للرسائل والمتحدثين. كما ينبغي أن يتسم هذا التواصل بالبعد الإنساني، وأن يراعي الأبعاد الاجتماعية والثقافية للجمهور، بما يعكس مسؤولية المؤسسة واحترامها لمحيطها.
الشفافية والصدق في الخطاب المؤسسي
تُعد الشفافية من أكثر عناصر التواصل حساسية أثناء الأزمات، إذ تتطلب إدارة دقيقة للمعلومات المتاحة. فالشفافية لا تعني الإفصاح غير المنضبط، بل تعني الصدق في ما يتم الإعلان عنه، والاعتراف بما هو غير معروف بعد، وتحديث المعلومات بشكل مستمر. هذا النهج يعزز مصداقية المؤسسة ويقلل من فجوة الثقة، حتى في حال استمرار الأزمة أو تعقّدها.
وتشير الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير إلى أن المؤسسات التي تتبنى الشفافية المدروسة تكون أكثر قدرة على احتواء ردود الفعل السلبية، لأنها تبادر بتقديم المعلومة بدلاً من ترك المجال للشائعات والتفسيرات غير الدقيقة.
دور القيادة في توجيه التواصل المؤسسي
تلعب القيادة دوراً محورياً في نجاح التواصل المؤسسي أثناء الأزمات، حيث لا يقتصر دور القائد على اتخاذ القرار، بل يمتد ليشمل تمثيل المؤسسة نفسياً ومعنوياً أمام العاملين والجمهور. ويبرز القائد الفعّال من خلال خطابه المتوازن، وقدرته على الجمع بين الحزم والتعاطف، والواقعية والأمل.
القائد الذي يتواصل بوضوح وإنسانية ينجح في توحيد الجهود، وتوجيه الطاقات نحو الحلول، وتقليل حالة الخوف والارتباك، ما يعزز من قدرة المؤسسة على تجاوز الأزمة بأقل الخسائر الممكنة.
التكنولوجيا والتواصل المؤسسي في الأزمات الحديثة
أصبح للتكنولوجيا دور محوري في إدارة التواصل أثناء الأزمات، حيث أتاحت المنصات الرقمية سرعة كبيرة في نقل المعلومات والتفاعل مع الجمهور. إلا أن هذه السرعة تحمل في طياتها مخاطر انتشار المعلومات المضللة إذا لم تُدار بشكل احترافي. لذلك، يتطلب التواصل الرقمي أثناء الأزمات استراتيجية واضحة، ومتابعة مستمرة، وقدرة على الاستجابة السريعة والمتوازنة.
وتؤكد الأكاديمية البريطانية للتدريب والتطوير على أهمية تدريب القيادات وفرق الاتصال على إدارة التواصل الرقمي، وربطه بأهداف المؤسسة واستراتيجياتها في إدارة الأزمات، بما يضمن وحدة الرسائل، ودقة المعلومات، وتعزيز الثقة في البيئات الرقمية المعقدة.